محمد أبو زهرة

626

زهرة التفاسير

وكما شرعها ربكم ، فاملئوا قلوبكم بثمرتها ، وهي ذكر الله دائما وعمران القلوب به ، فهو غاية العبادة ومرماها ؛ وذكر الله دائما في كل الأعمال والأقوال هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ؛ فإن المرء إذا عمر قلبه بذكر ربه آناء الليل وأطراف النهار - ما أقدم على معصية ، وما آذى مخلوقا ، وما أفسد مجتمعا ، وما ظلم وما بغى ؛ ولذلك قال سبحانه : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 45 ) [ العنكبوت ] . ولذلك طالب سبحانه الحجاج بأن يذكروا الله كذكرهم آباءهم ، فإن المرء لا ينسى أباه ، وإذا كان لا ينسى أباه لأنه كان السبيل الذي وصل به إلى هذا الوجود ، فليذكر خالق أبيه وخالقه وخالق كل من في هذا الوجود . وإن ذكر اللّه سبحانه يقتضى أن يغضب المؤمن لعصيان الله في الأرض ؛ لأن ذلك اعتداء على محارم الله ؛ ومن اعتدى على محارم الآباء قوتل فمن اعتدى على محارم خالق الآباء أولى أن يقاتل ويحارب ؛ وقد سئل ابن عباس عن قوله تعالى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فقيل له : قد يأتي على الرجل اليوم ولا يذكر أباه فقال ابن عباس : ليس كذلك ، ولكن أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالديك إذا شتما ، ففسر ابن عباس رضي الله عنه الآية بلازمها ونتيجتها وغايتها ؛ إذ إن نتيجة ذكر الله دائما الغضب عندما تنتهك محارم الله سبحانه وتعالى ، وإن الله طالب بأن نذكره كذكر آبائنا أو أشد ذكرا أي اذكروه سبحانه كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا من آبائكم ؛ و « أو » في معنى الإضراب والترقي ، أي أنه يطالبهم سبحانه بأن يذكروه كما يذكرون آباءهم ، ثم يترقى في معاني التقرب منه ، فيطالبهم بأن يكونوا أشد ذكرا له من آبائهم ؛ وكأن لطالب الهداية درجتين : أولاهما ، أن يكون ذكره لله كذكره الآباء ، فيغضب لمحارمه كما يغضب لشتم أبويه ، ثم تترقى حاله في مراتب التهذيب الروحي والنفسي ، فيكون أشد ذكرا لله فيغضب لمحارمه أكثر مما يغضب لشتم الآباء . وفي الآية فوق هذه المعاني السامية تعريض بما كان يفعله أهل الجاهلية من قيامهم بعد يوم النحر في الأسواق يتفاخرون بالأنساب والآباء ؛ كما تروى كتب